الغزالي
74
المستصفى
نك من المصلين أي من المؤمنين ، لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين ، كما قال ( ص ) : نهيت عن قتل المصلين أي المؤمنين ، لكن عرفهم بما هو شعارهم ؟ قلنا : هذا محتمل لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ، ولا دليل للخصم الدليل الثاني : قوله تعالى : * ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ) * ( الفرقان : 86 ) إلى قوله تعالى : * ( يضاعف له العذاب ) * ( الفرقان : 96 ) ، فالآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا ، لا كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب . والدليل الثالث : انعقاد الاجماع على تعذيب الكافر على تكذيب الرسول ، كما يعذب على الكفر بالله تعالى ، وهذا يهدم معتمدهم إذ قالوا : لا تتصور العبادة مع الكفر ، فكيف يؤمر بها ؟ احتجوا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في الكفر ، ومع انتفاء وجوبه لو أسلم ، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله ؟ قلنا : وجب حتى لو مات على الكفر لعوقب على تركه ، لكن إذا أسلم عفى له عما سلف ، فالاسلام يجب ما قبله ، ولا يبعد نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال ، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالاسلام ؟ فإن قيل إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الاسلام ، والاسلام الذي هو شرط الوجوب هو بعينه مسقط ، فالاستدلال بهذا على أنه لم يجب أولى من إيجابه ، ثم الحكم بسقوطه ؟ قلنا : لا بعد في قولنا : استقر الوجوب بالاسلام وسقط بحكم العفو ، فليس في ذلك مخالفة نص ، ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي للفواحش ، وكذا الاجماع دل على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش الدين ، وبين كافر لم يرتكب شيئا من ذلك ، فما ذكرناه أولى ، فإن قيل : فلم أوجبتم القضاء على المرتد دون الكافر الأصلي ؟ قلنا : القضاء إنما وجب بأمر مجدد ، فيتبع فيه موجب الدليل ولا حجة فيه ، إذ قد يجب القضاء على الحائض ولم تؤمر بالأداء ، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء ، وقد اعتذر الفقهاء بأن المرتد قد التزم بالاسلام القضاء ، والكافر لم يلتزم وهذا ضعيف ، فإن ما ألزمه الله تعالى فهو لازم التزمه العبد أو لم يلتزمه ، فإن كان يسقط بعدم التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات ، وترك المحظورات فينبغي أن لا يلزمه ذلك . الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به وهو الذي يسمى سببا ، وكيفية نسبة الحكم إليه ، وفيه أربعة فصول الفصل الأول في الأسباب إعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال لا سيما بعد انقطاع الوحي ، أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا لاحكامه ، وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها ، ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الاحكام إليها ، كقوله تعالى : * ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) * وقوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 581 ) وقوله ( ص ) : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات ، كالصلاة والصوم والزكاة ، فإن ما يتكرر الوجوب بتكرره ، فجدير بأن يسمى سببا ، أما ما لا يتكرر كالاسلام والحج فيمكن أن يقال ذلك معلوم بقوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * ( آل عمران : 79 ) وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم